طراز الروكوكو

شاع طراز الروكوكو الفني في أوربا خلال الفترة من حوالي 1730 إلى حوالي 1780، ويتميّز بالزخارف ذات الخطوط اللولبية المنحنية المحاكية لأشكال القواقع والمحار والأصداف، أو الموحية بأشكال الصخور في الكهوف والمغارات لا سيما في فن صناعة الأثاث وزخارف التنسيق الداخلي بالدور. وهو فن أرستقراطي فيه إفراط في الشغف بالأناقة أسلوباً وموضوعاً. وبرحيل لويس الرابع عشر انتقل طراز الباروك الأرستقراطي - كما سبق القول - إلى مرحلته الأخيرة وهي الروكوكو بعد أن لم تعد رعاية الفنون احتكاراً للبلاطات بل تلقّفها مجتمع باريس الراقي الذي يضم الطبقة البورجوازية العليا وأرستقراطية المدن، والذي ما لبث أن تبنّى رعاية الفنون. والراجح أن كلمة روكوكو rococo - وبها جناس مع كلمة باروكو barocco - قد اشتُقّت من كلمة rocaille بمعنى الصخر وكلمة coquille بمعنى القوقعة أو المحارة أو الصَّدفـَة، إذ غدت الصخور المحاريَّة الأشكال والقواقع والأصداف تُستخدم على نطاق واسع كصيغ زخرفية في الطراز الباروكي الشائع، حتى ليمكن اعتبار طراز الروكوكو تعديلاً طرأ على طراز الباروك وإثراء له غير متعارض معه ولا مناقض له. وبعبارة أخرى هو طراز باروكي انتقل إلى داخل الدور والقصور ليواكب أناقة الدور التي أنشئت في المدن أكثر مما يواكب أبهاء القصور وإن استُخدم في كليهما. وهكذا استـُحدث طراز الروكوكو لتـُـزَخْرَف به الدور من الداخل لاسيما الرّدهات والقاعات الصغيرة المخصّصة لتلاقي الأصدقاء والمعارف يتبادلون الأحاديث في جلسات السَّـمر. وقد شمل طراز الروكوكو كافة الفنون الكبرى كالنحت والتصوير والعمارة والموسيقى. إلى جانب الفنون الزخرفية التي غشّت كل ما في الداخل، من المنحنيات الرشيقة لأرجل المناضد والمقاعد والأرائك إلى اللفائف الحلزونية المذهّبة التي تـُـجمِّـل السقوف والجدران. ولعل النموذج الأمثل الدال على فن هذا العصر هو الرسوم المطبوعة بطريقة الحفر التي أعدّها الفنان أنطوان فاتو مُستخدماً أشكال المحار والصّدف ببراعة فائقة تسنّى معها استعارة عناصره وصيغها في شتى مجالات الزخرفة سواء في الكسوات الخشبية على الجدران، أو فوق ورق الحائط المطبوع، أو في مشغولات الجص والطين المحروق والمطليّـة باللونين الأبيض والذهبي، أو في تطهيم نسجيّة مرسّمة أو مطرّزة تكسو ظهر مقعد أو أريكة، أو نحتاً فوق سطح مدفأة إلى غير ذلك. ونحن إذا قابلنا التنسيق الداخلي وفقاً لطراز الروكوكو بقصر شونبرون بفيينا (لوحة 8) على سبيل المثال بالتنسيق الداخلي في عهد لويس الرابع عشر تجلّى لنا الفارق بينهما بوضوح، فعلى حين كان طراز الباروك مهيباً جليلاً مبهراً كان طراز الروكوكو جذّاباً رقيقاً رشيقاً رهيفاً، فإذا الرّقّة تحلّ محلّ الشموخ والضخامة، وإذا الأناقة تحلّ محلّ الجلال والفخامة، وإذا رقّة الألوان الطباشيرية تحلّ محلّ تيه الذهب والأرجوان.

وكما ألّف رامو Rameau وجلوك Gluck وموتسارت Mozart الأوبرات خلال القرن الثامن عشر لعرضها في دور الأوبرا العامة حيث تلامس مناكب الأرستقراطيين مناكب البورجوازيين كما أسلفت، انتقلت الفنون من قاعات القصور الرخامية الفارهة إلى الصالونات الصغيرة الأنيقة حيث أصبحت الرقة والجاذبية والرشاقة قيماً جمالية تَبُزُّ العظمة والإبهار. كذلك أطلق هذا المصطلح في الفترة بين 1720 و1770 على الشِّـعر الألماني الذي واكب طراز الروكوكو من حيث الزخارف اللفظية المسرفة والإغراق في التكلّف.

ومن بين أشهر المباني ذات طراز الروكوكو قصر البلفدير Belvedere الصيفي المطلّ على الحديقة في فيينا (لوحة 9) والقصر الذي شيّده المهندس لوكاس فون هيلدبراندت Hildebrandt، والمتميّز بخط أفقه المتكسّر وأبراج أركانه الأربعة التي لا تدين إلا قليلاً للنماذج الفرنسية والإيطالية السابقة عليها. ونلحظ على الفور الذوق الزخرفي وقد انطلق في سخاء منبثقاً من الأبواب ليكسو السطح الخارجي للواجهة بأسرها، كما نجد التفاصيل التي انفرد بها المهندسون الفرنسيون داخل المباني قد انتقلت على يد هذا المهندس إلى الواجهة المطلّة على الحديقة، ضارباً عرض الحائط بالرصانة المأثورة عن بالاديو مهندس عصر النهضة، فنشهد على جانبيْ نوافذ الطابق الثاني بعض الأعمدة الملتصقة المركّبة المفرطة في زخارفها، كما نرى فوق المدخل بعض تماثيل الكارياتيد متجمّعة وكأنما تجسّد تشكيلات كوريوجرافية لفريق من راقصي الباليه. وباستثناء هذه العناصر اختفت الطرز المعمارية المأثورة تماماً، فتلاشت سكينة واجهة المعبد المثلّثة، وتبدّدت أطر النوافذ الأكاديمية الطراز ليحلّ محلّها نموذج متدفّق فوّار من المنحنيات المتعرّجة والإيقاعات المتكسّرة عن عمد. وهكذا يشدّنا هذا النزوع نحو ترصيع المستوى المسطح بالمنحوتات الذي يتيح الفرصة لتلاعب النور والظل تلاعباً يتغيّر بتغيّر أوقات النهار بحيث تبدو الواجهة وقد غشّـتها دوّامات الحركة بلا توقّف، فإذا ما انتقلت العين أفقياً من جانب إلى آخر تعاقبت الأشكال المقعّرة والمحدّبة في إيقاع مرهف آسر. ويمكن القول إن طراز "الروكوكو" الذي بلغ الغاية رقّة ولطفاً وعذوبة كان آخر طراز أوربي التزم بالأسس الجمالية المتعارف عليها كُتب له الانتشار والشمول في العالم المتحضّر، ومردّ ذلك إلى أن زمام الأمر كان في أيدي فلول آخر طبقة أرستقراطية ذات صفة اجتماعية دولية تملك بها أن تكون راعية للفنون. وإذا نحن بعد قيام الثورة الفرنسية وحروب نابليون نرى القوميات الإقليمية وقد قويت شوكتها، فظهر أثر ذلك في الفنون التي غدت تحمل دلالة قومية تفوق دلالتها العالمية، وإذا موضوعات الفن تُمسي قومية محلية أكثر منها عالمية.

وكان للفكاهة اللمّاحة وروح الدعابة الذكية أثرهما في فن القرن الثامن عشر الذي لم يكترث لاعتراضات الكنيسة أو الدولة. وطراز الروكوكو وإن لم يكن طرازاً بمعنى الكلمة - كما ذهب البعض - فهو لاشك نقيض لطرز سابقة، فإن التطلّع إلى الوراء نحو طرز أخرى تبدو على فخامة وجلال وروعة سبق بها القرن السابع عشر، وحمل لواءها قادة مثل البابا أوربان الثامن والملك الشمس لويس الرابع عشر، قد يشي بأنها جوفاء لا طائل منها. ويؤيد هذا الرأي ما ذهب إليه ماثيو بريور Prior بعد طوافه بأبهاء قصر فرساي وقاعاته فإذا هو يرمي الملك بالحمق الذي تجلّى في لمساته الجوفاء حين شيّد هذا المقرّ: "حيث لا يكاد سقف أو جدار يخلو من صورة له، الأمر الذي يبعث على السخرية، فلو عنّ له أن يبصق وهو يلوي عنقه يمنة أو يسرة، لم يجد إلا صورة من صوره أو صورة الشمس التي تليه منزلة.... يبصق عليها".

وما لبثت فرنسا مع بداية القرن الثامن عشر تخفّفت شيئاً من سطوة الفن الباروكي إسرافاً وشططاً، بعد أن أوشك هذا الإسراف وذاك الشطط أن يهبطا بالدولة إلى دَرَك الإفلاس، هذا إلى ما لحق ذلك من إفساح الطريق ممهَّداً أمام العقلانية. أما إنجلترا فلم تطالعنا بتصوير قومي من طراز الباروك بل تلقّفت هذا الطراز عن مصورين أوربيين ليسوا من رعاياها. كذلك لم نجد إيطاليا - وهي البيئة التي نشأ فيها طراز الباروك - تُفسح صدرها بالقدر الكافي خلال تلك الحقبة لرعاية كبار مصوّريها الزخرفيين مثل الفنان العظيم تييبولو الذي لم يحْـظ بالرعاية الجديرة به في موطنه على حين ظفر بها في دول أوربية أخرى، وهو ما لم تفعله ألمانيا وإسبانيا، فلقد رَعَـتا فنانيهما رعاية حانية.

وعلى حين جنح هذا القرن إلى التخفّف من إسباغ الروعة والجلال على التصوير الزخرفي التفت إلى موضوعات الحب والغزل مفضّلاً إياها على تمجيد الحكام وإعلاء شأنهم، فإذا الملوك يتحلّلون شيئاً فشيئاً من استخدام الرموز التي تشير إلى مآثرهم وعلو كعبهم، وإذا بنا نرى فردريك الأكبر في بروسيا وكاترين العظمى في روسيا يسايران روح العصر بفكر نيّر هداهما إلى التخفّف شيئاً من الاستبداد. وعلى الرغم من أن لويس الخامس عشر قد صُوَّر وهو غلام في وضعة تحاكي ما كان لأسلافه من عنجهية وتعال يُضْـفيهما عليهم زيّهم الفخيم المميَّز، فقد هداه فكره حين شبّ إلى مجاراة العصر فتنازل عن بعض ما كان لأسلافه من استبداد مطلق وغطرسة واستعلاء. وهكذا نجحت النزعة العقلانية في انتزاع أشرعة الفن الباروكي من "صواريها"، وأصبح مَن يساندون هذا الفن الباروكي بمعزل عن مجريات العصر. ومن هنا تعذّر على الفن الباروكي بأبّهته ومهابته أن يُدخل البهجة على قلوب الناس رغم سطوة إبهاره، بقدر ما كان يسعدهم فن الروكوكو بما يعرضه من موضوعات بسيطة أليفة تتفق ومشاعرهم وميولهم. كان القرن الثامن عشر معنياً بالإنسان إنساناً، غير ملتفت إلى جنسه أو بيئته، فكان الناس في نظر هذا القرن سواسية لا يفرّق بينهم دين أو وطن، ومن هنا كان لفيلسوف هذا القرن منتسكيو كلمته المأثورة: "أنا إنسان قبل أن أكون فرنسياً" “Je suis homme avant etre Francais”.

في هذه السنوات حظي الفنان بحرية لا تعدلها حرية إذ خَـلـُـص من أسْر تسخيره لأهواء الحاكم المستبدّ تاركاً لنفسه العنان يصوّر الأحداث التاريخية وفق خياله هو لا التزاماً بمزاج الحكام، مطّرحاً تلك التصاوير المعنية بعرض المواعظ الخلقية. ونلمس هذه الحرية جليّاً في لوحة رسمها الفنان الفرنسي شارل كوابيل Coypel عام 1732 عَنونها "ربة التصوير تطرد ثاليا ربّة التاريخ" (لوحة 10) فجاءت صادقة مفعمة بالحيوية شأنها شأن كتاباته قبل أن يتقلّد منصب مدير الأكاديمية الملكية ويغدو المصوّر الأول للملك. فنرى ربّة التاريخ مستغرقة هي وصويحباتها في جمع المخطوطات المكدّسات على حين تطردها ربة التصوير من المرسم دون مراعاة لتماثلهما مكانة. كذلك أقرّ كوابيل رسالة الفن الاجتماعية وبأحقية كل فرد في الإدلاء برأيه بعد أن كان هذا الحق حكراً على متذوّقي الفنون وحدهم، فإذا الفنون الجميلة حق للناس جميعاً من أصحاب الحسّ المرهف، ومن هنا بات من المسلّم به رحيل أسلوب الباروك الفخم الضخم إلى غير رجعة. ولقد شجّع هذا التحرّر الفنانين مثل المصوّر بوشيه وغيره على عدم الالتزام بحرفية الأساطير الكلاسيكية، كما غدا تناول الموضوعات الإغريقية والرومانية هو الذريعة التي يتعلّل بها الفنانون لتصوير الشخوص عارية. وفي البندقية حيث كان ثمة تقاليد راسخة للتصوير قدّم تييبولو رؤاه الخاصة عن العالم القديم بعد أن أضفى عليه الكثير من إملاء خياله، وبعد أن تأثر بأعمال المصوّر فيرونيزي وبتصاوير مناظر الأوبرا. وانفرد المصوّر فاتو بتصوير المناظر الضبابية الموحية بالاسترخاء على غرار ما كان يدور في الروايات التي تصف حياة أهل الريف والرعاة وقتذاك، حيث تجول السيدات الأنيقات برفقة عشّاقهن الذين لا يقلّون عنهن أناقة في أوقات فراغهن وسط حدائق مورقة مزهرة في محاكاة خيالية لحياة رعاة أركاديا(2) Arcadia أركاديا اسم إقليم ساحر في شبه جزيرة المورة باليونان أطلقه فرجيل في شعره الرعوي على البيئة الزاخرة بالطمأنينة والسكينة خلال العصر الذهبي. "المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية". د . ثروت عكاشة لونجمان 1990= م. م .م . ث". في اليونان القديمة. وقد تناول فاتو مثل هذه المشاهد بحساسية شديدة وبألوان كألوان الجواهر ألقاً ورهافة لا تكاد فروقها الدقيقة تـُـدرك، مهّدت الطريق لتطور أسلوب الروكوكو. على حين كان بوشيه Bouchet المصوّر الأثير لدى مدام ده بومبادور أوفر مرحاً من فاتو، حيث يتجلّى في صوره المثل الأعلى لاصطناع الإغراء الأنثوي، وإذا الحب لا يعود هو تلك العاطفة العنيفة المأثورة عن روبنز بل بات الحب هو الغزل الرفيع، وإذا أشكال الصّبايا الممشوقات تحلّ محل نساء روبنز المكتنزات. وخلّف بوشيه تلميذه فراجونار Fragonard عميداً لطراز الروكوكو الفرنسي، فإذا لوحاته تكشف عن اهتمامات الطبقة الأرستقراطية اللاهثة دوماً وراء الرغبات المثيرة. وكان لإحساس هذا المصور الرهيف بالألوان وقدرته المذهلة على الرسم والتصوير الفضل الأكبر في إنقاذ لوحاته من احتمال الإفراط في التأنّق الهابط في وهدة الابتذال. وتكاد أعمال المثّال كلوديون تثير فينا الشعور نفسه بعد أن حوّلت قدرته الفذّة على التجسيم السريع للصلصال إلى وسيط مناسب لتسجيل اللحظات العابرة للرقصات الباكخوسية الماجنة عبر تماثيله المنمنمة ولوحاته الفخارية، فجاءت أشكاله أكثر صراحة في الإثارة الحسيّة من أشكال اللوحات المصوّرة في عصره





منقوووووووووووووووووووووو وووووول